المحقق البحراني
39
الكشكول
لو كان قاتل عمرو غير قاتله * بكيته أبدا ما عشت في الأبد لكن قالته من لا نظير له * قد كان يدعى أبوه بيضة البلد وجملة الأمر أن كل شجاع في الدنيا إليه ينتمي وباسمه من مشارق الأرض ومغاربها . وأما كرمه وسخاؤه فهو الذي كان يطوي في صيامه حتى صام طاويا ثلاثة أيام يؤثر السؤال كل ليلة بطعامه حتى أنزل اللّه فيه : ( هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ ) وتصدق بخاتمه في الركوع فنزلت الآية : ( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) تصدق بأربعة دراهم فأنزل اللّه فيه الآية : ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً ) وتصدق بعشرة دراهم يوم النجوى فخفف اللّه سبحانه عن سائر الأمة بها ، وهو الذي كان يستسقي للنخل بيده ويتصدق بأجرته ، وفيه قال معاوية بن أبي سفيان الذي كان عدوه لمحصين الضبي لما قال له : جئتك من عند أبخل الناس ، فقال : ويحك كيف قلت ؟ تقول له أبخل الناس ولو ملك بيتا من تبر وبيتا من تبن لأنفق تبره قبل تبنه ، وهو الذي يقول : يا صفراء ويا بيضاء غري غيري بي تعرضت أم لي تشوقت هيهات هيهات قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها ، وهو الذي جاد بنفسه ليلة الفراش وفدى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتى نزل في حقه : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ) . قال يوحنا : فلما سمعوا هذا الكلام لم ينكره أحد منهم وقالوا : صدقت إن هذا الذي قلت قرأناه من كتبنا ونقلناه عن أئمتنا لكن محبة اللّه ورسوله وعنايتهما أمر وراء هذا كله ، فعسى اللّه أن يكون له عناية بأبي بكر أكثر من علي فيفضله عليه . قال يوحنا : انا لا نعلم الغيب ولا يعلم الغيب إلا اللّه تعالى وهذا الذي قلتموه تخرص وقال اللّه تعالى : ( قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ) ونحن إنما نحكم بالشواهد التي لعلي عليه السّلام على أفضليته فذكرناها وأما عناية اللّه به فتحصل من هذه الكمالات دليل قاطع عليها ، فأي عناية خير من أن يجعل بعد نبيه أشرف الناس نسبا وأعظمهم حلما وأشجعهم قلبا وأكثرهم جهادا وزهدا وعبادة وكرما وورعا وغير ذلك من الكمالات القديمة ، هذا هو العناية . وأما محبة اللّه ورسوله فقد شهد بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في مواضع ( منها ) الموقف الذي لم ينكر وهو يوم خيبر إذ قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله » فأعطاها عليا . وروى عالمكم أخطب خوارزم في كتاب المناقب أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « يا علي